محمد برادة.. سحر روائي بقلم مغربي

محمد برادة.. سحر روائي بقلم مغربي
محمد برادة خلال جلسة استحضار مساره الأدبي والفكري
محمد برادة خلال جلسة استحضار مساره الأدبي والفكري
محمد برادة خلال جلسة استحضار مساره الأدبي والفكري
محمد برادة خلال جلسة استحضار مساره الأدبي والفكري
أقلام
قال إن مدنا ثلاث بصمت مسيرته هي فاس والرباط والقاهرة
محمد برادة.. سحر روائي بقلم مغربي
محمد برادة خلال جلسة استحضار مساره الأدبي والفكري
محمد برادة خلال جلسة استحضار مساره الأدبي والفكري

" عندما أنبش ذاكرتي أتذكر أن هناك لحظة سعيدة ربطتني بالكتابة عندما كانت أمي تطلب مني وأنا تلميذ في المدرسة الابتدائية أن أكتب رسائل إلى خالي في مدينة فاس لأستفسره عن أحواله، ما وضعني أمام تحد صعب، أن أعوض اللقاء والصوت بالكلمات التي كان زادي منها قليلا، فكنت أجتهد لأختزن كلمات جديدة أنافس بها زملائي في الفصل وأبهر بها أمي وأنا أقرأ عليها ما كتبته". يحيل هذا السرد القصير على لسان محمد برادة احتكاكه الأول مع الكتابة وعلاقته بالقلم في صباه، خلال استضافته ضمن فعاليات الدورة الثامنة والعشرين من المعرض الدولي للنشر والكتاب، زوال يوم الجمعة 2 يونيو 2023، قصد تسليط الضوء على مساره الأدبي، وإطلاع الزوار على حصيلته الروائية ومسيرته في دروب الكتابة والإبداع، بمناسبة إعادة إصدار رواياته الثمانية.

ارتبط اسم الدكتور والكاتب والقاص والروائي محمد برادة بالأسماء الوازنة في الكتابة الروائية والنقدية العربية، التي بصمت على مسار بارز في المشهد الثقافي والأدبي العربي، استطاع بحكم تكوينه الأكاديمي الرصين، وتخصصه في دراسة الأدب العربي، وترجمته لمؤلفات نقدية وأدبية أجنبية، أن يثري رفوف الخزانة العربية بإنتاجاته الغزيرة التي مزجت بين الدراسات النقدية والكتابة القصصية والروائية والترجمة.

 

رحلة علمية بين الشرق والغرب

"أظن أن مدنا ثلاثة رعت حروفي وأسبغت عليها عبقا من طيبها وبخورها، وهي فاس والرباط والقاهرة. ترتبط فاس عندي بالطفولة الأولى، كما ترتبط بلغتي الأم وبمتاهة الأزقة الصاعدة-الهابطة، وبالعيون التي تطل من وراء اللثام" يحكي محمد برادة، فوق المنصة، وذهنه يسترجع ذكريات الشباب التي لم يعد يتذكرها جيدا بعدما اشتعل رأسه شيبا. رحلة العلم التي انطلقت من مسقط رأسه الرباط، حيث درس بفصول مدارس محمد الخامس، قبل أن يجد نفسه إبان حصوله على شهادة الباكالوريا، كباقي الشباب المتعلم غداة فترة الاستقلال، بين تيارين؛ تيار أبهرته الثقافة الفرونكوفونية فاختار التوجه إلى فرنسا لمتابعة الدراسة الجامعية، وتيار اقتنع بأفكار الشرق فكانت وجهته دول عربية في القطر الشرقي لرسم طريق المعرفة.

"كان سفري إلى القاهرة وأنا في منتصف السادس عشرة اجتيازا لعتبة طالما حلمت بها وأنا أشاهد في قاعة سينما باب "بوجلود" بفاس أفلام مصرية. لقائي بالقاهرة الساحرة آنذاك وضعني في مرحلة مبكرة أمام أسئلة الهوية واللغة".

يبدو من الكلمات التي يسردها محمد برادة، وعيناه تعكسان حسرته على مرور عمر الشباب وخفوت حماسه، أنه اختار الاصطفاف إلى جانب شباب الخمسينيات الذين جرتهم رياح الشرق وخطفهم سطوع النموذج الأدبي الحداثي المشرقي. فقضى المرحلة الأولى من الدراسة الجامعية بمصر، حيث حصل على شهادة الإجازة في الأدب العربي سنة 1960، ليعود بعدها إلى المغرب ويعزز مساره الأكاديمي بشهادة الدراسات المعمقة في الفلسفة من جامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1962.

رياح العلم وفضول المعرفة غيرا وجهة رحلة محمد برادة العلمية من دراسة ومقاربة الأدب في الشرق إلى الإبحار في عوالم النقد والأدب في الغرب، فكان رسوه بجامعة "السربون" بباريس بمثابة دفعة معرفية وزاد علمي مكنه من بناء تصوره حول القضايا الأدبية والثقافية العربية من خلفية معرفية متنوعة وواسعة، وهناك حصل على شهادة الدكتوراه في النقد وسوسيولوجيا الأدب عام ثلاثة وسبعين تسعمئة وألف.

وهو في رحلة طلب العلم تأثر بتيارات أدبية واتجاهات فلسفية عالمية، فقرأ لنيتشه واطلع على أفكار هايدغر وتأمل أشعار فون غوته، فكان لأفكارهم وإبداعاتهم بالغ الأثر على المشروع الثقافي والأدبي والفكري لمحمد برادة.

تظافر تكوين برادة الأكاديمي متعدد الروافد وتلاقحه مع ثقافات متنوعة، وتقاطعه الفكري مع أدباء ونقاد مغاربة أمثال حسن لمنيعي وأحمد المجاطي وغيرهم من الرواد، للتأسيس، رفقة هؤلاء المثقفين، لقواعد جديدة للأدب العربي ومناهج تناوله نقدا وممارسة داخل أسوار الجامعة المغربية.

حاضر محمد برادة بمدرجات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث أسهم في تأطير أفواج من المهتمين بدراسة الأدب العربي، وأشرف على بحوث ودراسات قاربت الأدب بالعالم العربي وافتحصت واقع الإبداع الأدبي المغربي.

 

الرواية.. ولع برادة الذي لم ينقطع

خط قلم برادة منذ بداياته قصصا ومقالات سياسية تنم عن قدراته على الكتابة والإبداع ونبوغه الفكري، فصدرت له أول قصة وهو يطرق باب مرحلة الشباب (18 سنة) بعنوان "المعطف البالي"، نشرت على صفحات جريدة العلم سنة 1957، كما ساهم في تحرير مضامين مجلة "القصة والمسرح"، و"المشروع"، وأشرف كذلك على إدارة مجلة "آفاق".

تجربة برادة في الكتابة اختمرت وهو يتجاوز مراحل الحياة واحدة تلوا الاخرى، ويقول في ذلك والفخر يملأ محياه: "ولعل بداية انتمائي الحقيقي للكتابة، إنما تعود إلى إدراكي لشساعة الحياة وتعقيداتها، أي انطلاقا من مرحلة الاكتمال النسبي للوعي، منذ ذاك بدأت الكتابة تأخد منحاها، ضاربة بجدورها في أعماق الطفولة وأزمنة الذاكرة، ووصولا إلى مساءلة الحاضر".

أبعده مساره الأكاديمي والتزاماته المهنية كأستاذ محاضر بمدرجات جامعة محمد الخامس قليلا عن الكتابة القصصية والروائية، حيث تفرغ للترجمة والكتابة النقدية، لكن سرعان ما أعاده شغفه بالإبداع والكتابة إلى حضن الرواية، فحافظ على تنوع كتاباته بين النقد والرواية والقصة إضافة إلى الترجمة.

 

سفير الرواية المغربية

أصدر محمد برادة خلال مسيرته الأدبية روايات ومؤلفات عديدة نالت اهتمام أدباء ومثقفين من أقطار غير عربية، فترجمت إلى لغات أجنبية كالفرنسية والإنجليزية والإسبانية. ففي 1987 نشر روايته الأولى بعنوان "لعبة النسيان" التي أقرتها وزارة التربية الوطنية ضمن مقررات السلك الثانوي حتى عام 2005، والتي نشر جزؤها الثاني سنة 2002 بعنوان "امرأة النسيان". ثم رواية "الضوء الهارب" عام 1994، وفي سنة 1999 أصدر رواية "مثل صيف لا يتكرر". أما رواية "حيوات متجاورة" فأصدرها عام 2009 والتي ترجمت إلى اللغة الفرنسية عام 2013، وكذلك رواية "بعيدا من الضوضاء، قريبا من السكات" عام 2014، ورواية "موت مختلف" سنة 2016، واخرى عام 2019 بعنوان "رسائل من امرأة مختفية".

أسهم محمد برادة، إلى جانب كتاباته الإبداعية والنقدية، في ترجمة أعمال أجنبية إلى اللغة العربية كـ"حديث الجمل" لصاحبها الطاهر بنجلون، و"الرواية المغربية" و "في الكتابة والتجربة" لصاحبهما عبد الكبير الخطيبي، و"الدرجة الصفر للكتابة" لرولان بارت، دون إغفال ترجمته ل"الخطاب الروائي" لميخائيل باختين.

 

وظائف مهمة وجوائز مشرفة

بجوار مهمته كأستاذ محاضر، أسس محمد برادة للقواعد الأساسية للدرس الأدبي في الجامعة المغربية، شغل محمد برادة مدير قسم البرامج الثقافية بالإذاعة الوطنية، وترأس خلال ثلاث ولايات متتالية اتحاد كتاب المغرب ما بين 1976 و1983.

انخرط في مرحلة من مراحل حياته في العمل السياسي والنضال الحزبي، حيث كان في فترة ماضية عضوا في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، قبل أن ينسحب بشكل نهائي من الساحة السياسية ويتفرغ إلى النضال بالقلم والكتابة الإبداعية.

يتحدث برادة وتجاعيد وجهه توحي بأسف عميق: "مشاركتي السياسية كانت في بداية الستينيات في اليسار وفي الدفاع عن الثقافة اليسارية المتفتحة التقدمية، لذلك كان عملي في الثقافة أكثر، إلا أن الانحرافات عن المبادئ دفعتني إلى التخلي عن السياسة منذ زمان".

حصد الدكتور برادة بفضل قلمه المبدع وكتاباته المبهرة جوائزا وطنية ودولية، حيث أحرز جائزة المغرب للكتاب في صنف الدراسات الأدبية عن كتابه النقدي “فضاءات روائية”، وجائزة مهرجان فاس المتوسطي للكتاب، وجائزة "كتارا" للرواية العربية – فئة الروايات المنشورة لعام 2017 عن رواية "موت مختلف".

يبدو أن محمد برادة استطاع بفضل قدراته الإبداعية وموهبته الروائية ورصانة خلفيته المعرفية أن يصنع لنفسه مكانة متميزة في المشهد الثقافي والأدبي العربي والمغربي.

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE