يوميات المعرض مستقبل الكتاب بين الإبداع البشري والتوليد الاصطناعي ضمن فعاليات معرض الكتاب

شهدت قاعة "فاطمة الفهرية" بفضاء المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، يوم الجمعة 01 ماي 2026، ندوة فكرية حول موضوع "مستقبل الكتاب بين الإبداع البشري والتوليد الاصطناعي". سعى اللقاء الذي أداره الأستاذ نجيب الغياتي إلى تسليط الضوء على العلاقة بين الإبداع الإنساني والتوليد الاصطناعي، وما تثيره من أسئلة حول مستقبل الكتاب وحدود توظيف التكنولوجيا في الإنتاج المعرفي لا سيما التأليف والنشر.
وأكد الدكتور عبد الإله بنعرفة، نائب المدير العام للإيسيسكو، في مداخلته، أن مجال التأليف يمر اليوم بمرحلة هجينة يتداخل فيها ابداع الإنسان مع قدرات الآلة، وهو ما يطرح تحديات قانونية وأخلاقية معقدة حول هوية المالك الحقيقي للنص وحقوق ملكيته الفكرية.
وحذر بنعرفة من الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي، والذي سيؤدي إلى إنتاج كتب نمطية ومكررة تفتقر لعنصر المفاجأة والتجارب الإنسانية العميقة وبالتالي تؤدي إلى نفور القارئ، مؤكدا أن الإبداع البشري سيظل متفوقاً بفضل قيمتي "الصدق والجمال" وهما قيمتان لا تملكهما الآلة المبرمجة.
كما أشار نائب المدير العام للإيسيسكو، إلى أن دور المؤلف سيتغير ليصبح أشبه بالمخرج الذي يوظف التقنيات الرقمية التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لإنتاج أعمال تفاعلية تخاطب القارئ بالصوت والصورة، مؤكداً ضرورة إقرار صفة قانونية تلزم المؤلفين بالإفصاح عن مدى اعتمادهم على التوليد الاصطناعي عند طلب الترقيم الدولي أو الإيداع القانوني، لضمان التعامل مع كاتب حقيقي ودار نشر حقيقية.
من جهتها، كشفت الدكتورة رنا الإدريسي، مديرة دار الآداب اللبنانية، عن واقع جديد بدأت تفرضه التقنيات الحديثة، حيث أصبح الناشر يخشى عدم نزاهة المؤلف في إنتاج مؤلفاته.
وأشارت الإدريسي إلى أن لجان القراءة والتحكيم لا تملك حتى الآن التدريب الكافي أو الأدوات التقنية الحاسمة للكشف عن مدى استخدام المؤلف للذكاء الاصطناعي وقدرته السيطرة على هذه الوسائل.
وحذرت من كون النصوص التي يولدها الذكاء الاصطناعي في ثوان، قد تكون صحيحة لغوياً بفضل "ذاكرة العالم"، لكنها تظل مفتقرة للروح والتجربة الإنسانية العميقة.
كما كشفت مديرة دار الآداب عن خطوة استباقية اتخذتها الدار منذ عام 2025، حيث تم إدراج بند قانوني جديد في عقود التأليف يلزم الكاتب بالتعهد بأنه لم يستخدم الذكاء الاصطناعي في النص إلا في نطاق بحثي أو تحريري محدود، مع إقراره بالتعرض للمساءلة القانونية وإلغاء العقد في حال ثبت عكس ذلك.
وشدّدت الإدريسي على أن دور النشر الكبرى يجب أن تتحول في هذه المرحلة من "مطابع" إلى "مصفاة جودة"، لضمان تقديم مادة فكرية إبداعية حقيقية وغير وهمية للقارئ.
وفي نفس السياق، أعرب الدكتور أحمد سعيد ولد أباه، رئيس جامعة شنقيط الموريتانية، عن قلقه تجاه الأجيال القادمة التي ولدت في عصر الرقمنة، مشيرا إلا أنها قد لا تتمرّس على القراءة والكتابة أو تتعود عليها بمفهومها التقليد.
ودعا ولد أباه إلى الانفتاح على رأي المختصين في الذكاء الاصطناعي، لفهم أبعاد هذه التحولات، وفهم الفرق بين "الذاكرة الإلكترونية" و"الذاكرة البشرية" المشبعة بالقيم والوجدان، مؤكداً أن الاستعداد للمستقبل لا يكون بالصدام أو القمع القانوني، بل بالتنظيم، والتوعية، وترسيخ القيم الإبداعية الأصيلة.
وفي ختام مداخلته، أكد رئيس جامعة شنقيط أن القارئ هو العنصر الحاسم الذي سيحدد مسار هذه المعركة التكنولوجية، حيث إن إقبال الجمهور، أو عزوفه، هو من سيحدد مستقبل ومكانة المنتوج المولد آلياً.
وخلصت الندوة إلى أن الروح الإنسانية والصدق الفني سيظلان المعيار الحاسم الذي يفصل بين النص الآلي الجامد والإبداع الإنساني الحي، على اعتبار أن الخيار يظل بيد القارئ الذي يملك القدرة على التمييز بحدسه بين النص البشري المليء بالمشاعر الإنسانية العميقة، وبين الإنتاج الآلي النمطي الجامد.
كما دعا المشاركون إلى الاستعداد لما يحمله المستقبل، من خلال التوعية وترسيخ القيم الإبداعية، كي يبقى الإنسان المحرك الأساسي للفكر والإبداع.