المعرض الدولي للنشر والكتاب (SIEL) - من 1 إلى 10 مايو 2026

المدرسة المغربية في تحقيق المخطوط.. من صيانة النص إلى صيانة الهوية

المدرسة المغربية في تحقيق المخطوط.. من صيانة النص إلى صيانة الهوية
المدرسة المغربية في تحقيق المخطوط.. من صيانة النص إلى صيانة الهوية

أمل ومكيرت

في اليوم الأخير من فعاليات الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، أي يوم 10 ماي 2026، احتضنت قاعة ابن رشد لقاء فكريا بعنوان "المدرسة المغربية في تحقيق التراث المخطوط"، سلط الضوء على خصوصيات التجربة المغربية في صيانة المخطوطات وتحقيقها، ودورها في حفظ الهوية الثقافية وصناعة الامتداد الحضاري بين الماضي والحاضر والمستقبل.

وأكد المتدخلون خلال الندوة أن المدرسة المغربية في تحقيق التراث المخطوط راكمت تجربة علمية متميزة، تقوم على اعتبار التراث قضية حية لا ترتبط بالماضي فقط، بل تمتد إلى الحاضر وتستشرف المستقبل، مشددين على أن تحقيق المخطوط لا ينبغي أن يتعامل مع النصوص باعتبارها "نصوصا ميتة"، وإنما كنصوص مفتوحة قادرة على إنتاج المعنى والإجابة عن أسئلة العصر.

وفي هذا السياق، أبرز الدكتور، بدر مقري أن الحديث عن المدرسة المغربية في مجال تحقيق التراث يحيل على جملة من الخصوصيات المرتبطة بالهوية المغربية، بما تحمله من مقومات دينية ولغوية وتاريخية وذاكراتية، معتبرا أن المخطوط يشكل أحد أبرز تجليات هذه الهوية.

وأوضح السيد مقري، أن المدرسة المغربية لا تنظر إلى التراث باعتباره مادة جامدة أو مومياء فكرية، بل باعتباره رصيدا حيا يتيح استحضار أجوبة الماضي لمواجهة إشكالات الحاضر وبناء المستقبل.

وشدد المتدخل ذاته على أن الانتماء إلى هذه المدرسة لا يمثل مجرد تشريف، بل يفرض تكليفا علميا وأخلاقيا يتمثل في مواصلة مسار الرواد الذين أسسوا لتقاليد التحقيق بالمغرب، من أمثال عبد الله كنون وعباس الجراري ومحمد بنشريفة وغيرهم، مضيفا أن تحقيق المخطوطات يمثل مدخلا أساسيا لصيانة الهوية المغربية وترسيخها.

من جهته، أكد الدكتور، بنيونس الزاكي أن المدرسة المغربية في تحقيق التراث يمكن مقاربتها من زوايا متعددة، مشيرا إلى أن أي باحث يرغب في ولوج هذا المجال ينبغي أن يمر عبر كتاب "النبوغ المغربي" لعبد الله كنون، لما يتضمنه من وعي بخصوصيات الثقافة المغربية.

كما أبرز المتحدث نفسه الفوارق بين النصوص المغربية والمشرقية من حيث طرائق التحقيق والبنية اللغوية والخطية، موضحا أن المحقق مطالب بفهم شكل النص ولغته وخطه وكذا مواضع الإسقاط، إضافة إلى القدرة على ملء الفراغات ومقارنة النسخ المختلفة.

ودعا الزاكي إلى تطوير البحث الأكاديمي في مجال تحقيق المخطوطات، مؤكدا أن المحقق لا يمكنه الاشتغال على التراث دون الإحاطة بمدارس الخط ورواد التحقيق، معتبرا أن الجامعات مطالبة بتكوين "المحقق المثالي" الذي يجمع بين الثقافة العلمية والمعرفة المنهجية الدقيقة.

أما الدكتور، محمد أنسوانت فقد استعرض المسار التاريخي للمدرسة المغربية في تحقيق التراث، خصوصا التراث الأندلسي، مبرزا عناية السلاطين المغاربة بالمخطوطات منذ قرون، وحرصهم على جمعها وحفظها واسترجاعها من خزائن الغرب.

وأشار المتدخل نفسه إلى أن بدايات التحقيق بالمفهوم الأكاديمي الحديث في المغرب ارتبطت بظهور المطبعة الحجرية، حيث أوكلت مهمة إخراج النصوص إلى علماء وفقهاء متمرسين كانوا يركزون على سلامة المتن وضبطه.

كما استعرض الأجيال المتعاقبة التي أسهمت في ترسيخ هذا الحقل العلمي، بدءا بجيل عبد الله كنون وعبد الهادي التازي والمختار السوسي، وصولا إلى الأجيال الجامعية التي أدخلت التحقيق إلى المؤسسات الأكاديمية والدراسات العليا.

وتوقف المتدخلون عند الدور الذي تضطلع به مؤسسات وطنية في صيانة التراث المخطوط، من بينها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والخزانة الحسنية وعدد من الجمعيات العلمية، مؤكدين أن الحفاظ على المخطوط المغربي يظل مسؤولية جماعية تستوجب استمرار البحث والتكوين والتوثيق.

واختتم اللقاء بالتأكيد على أن المدرسة المغربية في تحقيق التراث المخطوط ليست مجرد تجربة أكاديمية، بل مشروع ثقافي وحضاري متكامل، يسعى إلى حماية الذاكرة المغربية وربط الأجيال الجديدة برصيدها الفكري والعلمي.