يوميات المعرض « الكتابة والعمارة » تحيي ذاكرة الأندلس في المعرض الدولي للكتاب

محمد محفوظ
انعقدت في المعرض الدولي للنشر والكتاب المنظم في دورته الحادية والثلاثين، يوم الجمعة 08 ماي 2026، ندوة بعنوان "الأندلس..الكتابة والعمارة".
شارك في الندوة كل من الدكتور محمد العمارتي والدكتور سعيد الدريوش، وأدارتها الدكتورة العالية ماء العينين. وافتتح النقاش بتأمل العلاقة الوثيقة بين المكان والإبداع في الثقافة الأندلسية، حيث حضر المكان في الشعر الأندلسي بوصفه لغة تعبر عن الحزن والفرح والألم، ولم يكن مجرد موضوع عابر، كما تجلى ذلك في مراثي المدن الأندلسية وفي قصائد الطبيعة التي ميزت هذا الشعر عن غيره.
وتطرّق الدكتور محمد العمارتي الجانب الآخر من هذه العلاقة، وهو حضور الكتابة في المكان الأندلسي، متوقفا عند النقوش الشعرية في قصور الحمراء التي تحولت من بنية جامدة إلى بنية ناطقة تمنح المكان هوية وذاكرة.
وأبرز العمارتي أن قصور الحمراء تحتوي على ما يقارب عشرة آلاف نقش عربي موزعة بين الجدران والأعمدة والأقواس والنوافير، وأن أول من جمع هذه النقوش كان الموريسكي ألونسو دي كاستيو في القرن السادس عشر.
وتتبع المتحدث نفسه مراحل اهتمام المستعربين الإسبان بهذه النقوش، بدءا من المرحلة الكلاسيكية مع باسكوال دي جايانغوس وفرانسيسكو سيمونيت، مرورا بالجهود التأسيسية لميغيل فوينتي بيلاردي كانتارا الذي نقل النقوش من الجدران إلى كتاب جامع، وصولا إلى العمل الأكاديمي الرائد لإميليو غارثيا غوميث في كتابه "أشعار عربية على جدران قصر الحمراء ونوافيره"، حيث لم يترجمها ترجمة حرفية بل أضفى عليها لمسات جمالية أثرت في جيل الشعراء الإسبان عام 1927، ومنهم فيديريكو غارثيا لوركا.
وتوجت هذه المسيرة بجهود بورتاس بيليث الذي درس النقوش من بعدها الصوري والوظيفي.
من جانبه، تناول الدكتور سعيد الدريوش قصائد النقوش بوصفها ظاهرة فنية مبتكرة في الشعر الأندلسي، مشكلا نمطا جديدا من المعلقات الشعرية، حيث انتقل الشعر من التعليق على أستار الكعبة إلى النقش على جدران الحمراء.
وميز الدريوش بين أربعة أشكال اتخذتها هذه الأشعار، هي النقش بالحفر على الحجر والرخام والخشب، والرسم بالأشعار الذي جاء استجابة لتحريم الصور، والرقم أي تطريز الأشعار على الأثواب والعمائم والأسلحة، والكتابة التي برز فيها فن الخط العربي بأشكال متنوعة تعبيرا عن روح حضارية.
واستعرض المتحدث نفسه الفلسفة الجمالية التي تبناها السلاطين النصريون أثناء بناء قصورهم، والتي تربط بين فن العمارة وفن الشعر وفن الخط في تناغم فريد، مشيرا إلى أن هذه القصائد كانت تؤدي وظائف متعددة، من تمجيد السلطة الحاكمة وتخليد ذكراها، إلى التوثيق التاريخي للأحداث والفتوحات والترميمات.
كما توقف سعيد الدريوش عند الصور الفنية المهيمنة في هذا الشعر، وفي مقدمتها صورة العمارة الناطقة، وصورة العروس، وصورة الفردوس، إلى جانب صورة السلطان الباني.
وخلصت الندوة إلى أن العلاقة بين الكتابة والعمارة في الأندلس لم تكن علاقة تزيينية عابرة، بل كانت حوارا عميقا بين فنين تحولت فيه الجدران إلى قصائد ناطقة والقصائد إلى عمارة شعرية خالدة.