يوميات المعرض الأدب الشفهي الأمازيغي..ذاكرة المغرب الحية تبحث عن كتابة جديدة

أمل ومكيرت
في إطار فعاليات اليوم السادس من المعرض الدولي للنشر والكتاب، المنظمة في دورته 31 في الرباط من فاتح إلى 10 ماي 2026، احتضنت قاعة الشريف الإدريسي ندوة فكرية وسمت بـ "المغرب المتعدد: الأدب الشفهي الأمازيغي كنوز من الذاكرة الحية"، حيث شدد المشاركون على أن هذا الموروث يشكل ركيزة أساسية في الهوية الثقافية المغربية، داعين إلى ضرورة إدماجه في التعليم وتثمينه عبر البحث والإبداع المعاصر.
وفي هذا السياق، أكد الباحث في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، فؤاد أزروال، أن الأدب الأمازيغي، وخاصة في بعده الشفهي، ظل لسنوات طويلة رهين نظرة دونية، قبل أن يبدأ في الآونة الأخيرة مسار التحول نحو التدوين والكتابة.
ورغم هذا التحول، أوضح المتحدث نفسه أن الأدب الشفهي حافظ على استمراريته، وإن تراجع حضور بعض أشكاله التقليدية كالحكايات والألغاز، بسبب تغير شروط إنتاجه ووسائط تداوله.
وأضاف أزروال أن هذا الموروث لا يزال يغذي عدة أجناس أدبية حديثة، من بينها القصة القصيرة والمسرح، مبرزا الإمكانات الكبيرة التي يتيحها لاستثماره في الإنتاجات السينمائية والتلفزية.
غير أن أزروال اعتبر أن هذه التجارب ما تزال محدودة، مستدلا بالمسلسل الأمازيغي " بابا علي" والسلسة الفكاهية "حديدان"، داعيا إلى توظيف الوسائط الحديثة لإعادة إحياء التراث الأمازيغي وتقديمه في قوالب إبداعية جديدة.
من جهتها، أبرزت فاطمة فائز، أستاذة الدراسات الأمازيغية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر، أن الشعر الأمازيغي يمثل أحد أهم خزانات الذاكرة الجماعية، حيث يتجاوز وظيفة التوثيق ليصبح وسيلة لحفظ التاريخ وتخليد الفاعلين والأحداث.
وقدمت فائز نماذج من أشعار وثّقت وقائع تاريخية، من بينها معركة بوكافر، إضافة إلى نصوص عكست المعاناة الإنسانية في ظل الاستعمار وما صاحبه من اختلالات قيمية.
وأشارت إلى أن الأدب الشفهي الأمازيغي لم يكتف بنقل الواقع، بل أعاد صياغته، محافظا بذلك على الذاكرة الجماعية ومغنيا التراث اللامادي للمغرب، ما يستدعي اليوم مزيدا من الجهود لتوثيقه أكاديميا وصيانته من الاندثار.
وفي مداخلة نظرية لافتة، شدد مولاي هاشم جرموني، أستاذ بجامعة سيدي محمد ابن عبد الله بفاس، على أن الشفوية ينبغي فهمها كـ"نمط حضاري" قائم بذاته، وليس مجرد غياب للكتابة، موضحا أنها ممارسة خطابية واعية تخضع لقواعد وأعراف وطقوس محددة.
واعتبر أن قوة الأدب الشفهي تكمن في كونه يُنجَز داخل سياق حي يربط بشكل مباشر بين المؤدي والجمهور، مما يمنحه بعدا تفاعليا واجتماعيا لا توفره الكتابة.
وأضاف أن هذا النمط الثقافي يسهم في ضمان استمرارية التراث، من خلال إعادة إنتاج القيم والمعايير داخل المجتمع، داعيا إلى تجاوز المقاربة الاختزالية التي تحصر الشفوية في بعدها الأدبي فقط، والنظر إليها كمنظومة ثقافية تشمل مختلف مناحي الحياة.
وخلصت الندوة إلى التأكيد على ضرورة إدماج الأدب الأمازيغي في المناهج التعليمية، وتعزيز حضوره في البحث الأكاديمي والإعلام، مع تكثيف جهود التوثيق، من أجل حماية هذا الإرث وتحويله إلى رافعة للإبداع الثقافي المعاصر.